في غمْرة سعْي المغرب إلى تعزيز تَرْسانة تشريعاته، من خلال مراجعة بنود القانون الجنائي، في جزئها المتعلق بحماية الأطفال من الاغتصاب، ما تزالُ سيّدة في مدينة الفنيدق، تكابدُ وتعاني الأمَرّين، في سبيل البحث عن حُكْم يُنصف طفلها الذي كان ضحيّة عملية اغتصاب، قبل سنتين، وكان عمره حينها لا يتعدّى سبْع سنوات، مُناشدة الملك محمد السادس التدخل لإنصافها.
فبعد شهور طِوال قضّتها الأمّ داخل ردهات المحاكم، ابتدائيا واستئنافيا وفي محكمة النقض، تفاجأتْ بأنّ ملف ابنها، "تعرّض للتزوير، من أجل مساعدة المتّهم الذي تتهّمه باغتصاب طفلها، والذي عرض عليها عشرة ملايين سنتيم للتنازل عن الدعوى المرفوعة ضدّه، بالحصول على حكم البراءة" وتقول المشتكية إنّها تتوفّر على جميع الأدلة التي تثبت أنّ ملف ابنها طاله "التزوير".
وتروي الأمّ أنّ طفلها، تعرّض للاغتصاب من طرف بائع للموادّ الغذائية يوم 18 مايو من سنة 2012، حيث تقدّمت بشكاية لدى الشرطة، التي أحالت المتهم على قاضي التحقيق، غير أنّه لم تكن هناك مواجهة بين الطفل الضحيّة والمتهم، حيث مَثٌل المتهم أمام القاضي في منتصف النهار، ومَثُل الطفل في حدود الساعة الثالثة والنصف بعد الزوال.
بعد ذلك، تروي الأمّ، تمّ تأجيل البت في الملف ثلاث مرّات، وفي الجلسة الرابعة كانت المناقشة، حيث قال المتّهم إنّه لا يتوفّر على مكان داخل متجره يستطيع أن يمارس فيه الجنس على الطفل، وهو ما حذا بمحامية الضحية إلى طلب مهلة لعمل معاينة، حيث استعانت الأسرة بمفوّض، لإجراء المعاينة، أثبتت أنّ المتجر به مكان مُوارَب، وبه مرآة كان المتّهم يرقب من خلالها باب المحلّ للانصراف عند حضور زبون.
وتضيف الأمّ أنه، وعلى الرغم من تقديم هذا الدليل، الموثق بالصور، وشهادة طبّية تفيد تعرّض الطفل لعملية اغتصاب حدّدت مدة عجزه في 25 يوما، وتقرير الطبيب النفساني، ومحضر الشرطة الذي أثبت تعرّف الطفل على المتّهم، وذِكْره (الطفل) لنوع اللباس الذي كان يرتديه المتهم لحظة عملية الاغتصاب، حكمت المحكمة ببراءة المتّهم، ابتدائيا، يوم 24 يوليوز.
"حينها، لم تكن قضيّة ابني معروفة، وعندما حكمت المحكمة على المتهم بالبراءة، رغم وجود أدلة وحجج تدينه، لجأت إلى وسائل الإعلام، وخضت وقفات احتجاجية، وراسلت وزارة العدل، وجمعيات المجتمع المدني، وكان من نتائج ذلك أن حكمت المحكمة على المتهم بسنتين حبسا نافذا، وغرامة 3 ملايين سنتيم"، تقول أمّ الطفل المغتصب.
ورغم ذلك، لم تنته معاناة الأمّ، فعلى الرغم من أنّها شعرت، لحظة صدور الحكم على المتهّم، بأنّ العدالة "أنصفت ابنها قليلا"، تفاجأت بعدم اعتقال المتّهم، حيث غادر المحكمة، بعد صدور الحكم، مثلما غادرتها هي وطفلها المغتصب؛ وعندما استفسرت عن سبب عدم اعتقاله، رغم صدور حكم نافذ في حقه، قيل لها في المحكمة إنّ الحكم ليس نهائيا؛ جواب جعل كثيرا من علامات الاستفهام تنتصب أمام الأمّ المجروحة.
بعد ذلك، انتقلت القضيّة إلى مرحلة النقض، حيث أصرّ المتّهم على براءته، فيما طالبت والدة الطفل على رفع مدّة العقوبة، حيث وصل ملف المتهم إلى محكمة النقض يوم 7 فبراير، من السنة الماضية، فيما وصل ملف الطفل في اليوم الموالي، 8 فبراير؛ لاحقا، أخبرت محامية الطفل أمّه أنّ ملف ابنها سيُعرض أمام أنظار هيأة محكمة النقض يوم 15 مايو، لتفاجأ، بعد أن استفسرت موظفي مكتب الاستقبالات لدى محكمة النقض أنّ ملفها لن يُعرض، وأنّ ملف المتّهم، رقم 1366، وحده الذي سيُعرض.
وعندما استفسرت الأم عمّا يتوجّب عليها فعله، طُلب منها أن تتقدّم إلى المحكمة بطلب ضمّ الملفين، وهو الطلب الذي أنجزته لها المحامية المكلفة بملف ابنها، وأرسلته إليها عبر الفاكس، وقدّمته إلى كتابة الضبط لدى المحكمة، "أشّروا على الطلب، وأخبروني أنهم سيقومون بضمّ الملفين".
تروي الأم بحُرقة، وبعينين دامعتين، أنّ كل المعاناة التي تكبّدتها، لم تكن سوى نقطة انطلاق فصْل آخر، أكثر قسوة، من فصول المعاناة، حينما اكتشفت أنّ ملف ابنها طاله التزوير، لحدّ أنّ ملف ابنها تغيّر حتى رقمه ليصير 2766، عوض 1876. مفاجآت الأمّ ستتواصل عندما اكتشف، بعد اتصالها بمحكمة النقض، أنّ هناك ملفيّن باسم طفلها (الضحيّة)، وملف ثالث باسم المتّهم.
مِلفا الضحيّة، المودَعيْن لدى محكمة النقض، تشرح أمّ الطفل، أحدهما حقيقي، يضمّ جميع الوثائق والإثباتات والدلائل التي قدّمتها أسرة الضحية، وكذلك جميع الشروط التي تطلبها محكمة النقض لقبول الملف، وملف مزوّر، خالٍ من أيّ دلائل، ولا يتضمّن وثيقة رفع رسوم صندوق المحكمة، وهو الملف الذي تمّ ضمّه مع ملف المتهم، "ليحكموا لصالحه، ويخرج بريئا"؛ تقول أمّ الطفل الضحية.
وتضيف أنّها عندما علمت أنّ ملف طفلها طاله التزوير، توجّهت إلى محكمة النقض، واستطاعت أن تحصل على نسخة للملفين، الحقيقي والمزوّر، خوفا من أن يتعرّض الملف المزوّر للطمس، وتعتبر أنّ حصولها على نسخة للملف، يعتبر "فوزا، ودليلا سأدافع به عن ابني إلى أن ينال حقّه"، متسائلة كيف تمّ تزوير ملف طفلها، "رغم أنّه لم يأت إلى محكمة النقض من الشارع، بل مرّ عبر كتابة الضبط لدى محكمة الاستئناف بتطوان، ومرّ على يد مسؤولين".
الأمّ المجروحة، لم تبقَ مكتوفة اليدين، إذْ بعد اكتشاف ما تسميه "تزويرا لملف ابنها"، راسلت عدّة جهات، بمن في ذلك رئيس الحكومة، ووزير العدل والحريات، ومجلس حقوق الإنسان، لكنّ أحدا، على حدّ تعبيرها، لم يتدخّل لإنصافها، بل لم تردّ أيّ جهة من هذه الجهات على مراسلاتها الكثيرة؛ تقول الأم "لا أحد يرغب في الاستماع إليّ، كأنني مجرّد حيوان، أو كأنّ طفلي أخذْته من القمامة وليس كائنا آدميا".
الأمّ المجروحة، وبعد عامين من المعاناة، فقدت الثقة في جميع المسؤولين، وأملها الوحيد لوضع حدّ لمعاناتها، ومعاناة طفلها، الذي دامت عامين، أن يتدخّل الملك ويأمر بفتح تحقيق في ملف تزوير ملف طفلها؛ "أطلب من جلالة الملك أن يتدخّل بأسرع وقت، لإنصاف ابني، فهو أملي الوحيد، بعد أن فقدت الثقة في جميع المسؤولين"، تقول الأم باكية.
وتضيف أنها هاتفت وزير العدل والحرّيات شخصيا، والتقت في مقرّ الوزارة مع مدير ديوانه ومستشاريه، وكان جوابهم أنّهم اطلعوا على الملف، لكنهم لا يريدون التدخّل في اختصاص القضاة؛ ردّ رأت الأمّ أنه بلا معنى، "فأنا لا أطالب منهم أن يتحكّموا في قرارات القضاة، ما أطالب به فقط هو أن يلزموهم بأن يحكموا وفق ما ينصّ عليه القانون، وأن يفتحوا تحقيقا في قضيّة ملف تزوير ابني"، وتمضي متسائلة "لا أدري لماذا لا يريد وزير العدل أن يفتح تحقيقا؟".
وفي غمرة المعاناة التي تتكبّدها الأمّ بين ردهات المحاكم، تعيش معاناة أخرى داخل البيت، وهي ترى الحالة النفسية لطفلها تتدهور يوما بعد يوم، "إنّهم يريدون أن يُجنّ طفلي، وأنا أحمّلهم كامل المسؤولية إذا حصل له أي مكروه"، وتضيف "هم يطلبون منّي دوما إحضاره إلى المحكمة، والقاضي يطرح عليه أسئلة جدّ محرجة أمام الناس، تصوّر أنّه سأله ذات جلسة محاكمة: كم عدد المرّات التي أدخل المتّهم عضوه وأخرجه؟".
الحالة النفسية المتدهورة التي يعاني منها الطفل، أثرت على الحالة النفسية للأمّ، التي تقول إنها بحاجة إلى علاج لدى طبيب نفساني، وتقول إنّها تعيش في بؤس عائلي، بعدما مُسّ شرف ابنها، وعدم إنصافه من طرف المحكمة، "إنّهم يريدون تدميري أنا وطفلي، وتدمير أسرتي، ويدفعونني إلى أن ألجأ إلى دولة أخرى، لكنني لن أفعل، رغم توفّري على جميع الوثائق التي تخوّل لي ذلك، لأنني لا أريد تشويه سمعة بلدي"؛ تقول الأمّ، قبل أن تستسلم للبكاء، متوجّهة بالنداء إلى الملك محمد السادس، للتدخّل قصْد إنصافها.




0 التعليقات:
إرسال تعليق