طالب فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، وكذا جمعية "بيت الحكمة" التي ترأسها خديجة الرويسي، بتجريم التكفير عبر إدخاله ضمن القذف الذي يعاقب عليه القانون المغربي، لكون "المجتمع المغربي أصبح يشهد في الآونة الأخيرة بروز ظواهر دخيلة وخطيرة على أمنه".
ودعا أصحاب المقترح إلى تعديل الفصل 442 من مجموعة القانون الجنائي حيث يضاف إليه أنه "يعد قذفا تكفير الأشخاص والهيئات بجميع الوسائل"، وذلك تداركا للفراغ التشريعي والتنظيمي الحاصل في هذا المجال.
ودعا أصحاب المقترح إلى تعديل الفصل 442 من مجموعة القانون الجنائي حيث يضاف إليه أنه "يعد قذفا تكفير الأشخاص والهيئات بجميع الوسائل"، وذلك تداركا للفراغ التشريعي والتنظيمي الحاصل في هذا المجال.
ودعت جمعية "بيت الحكمة" إلى تجريم "التكفير"، واعتبرته "شرطا لحماية الأفراد والمجتمع من كل الدعوات التحريضية التي تتعامل مع الرأي المخالف". وأضاف البيان أن "التكفير يتعارض مع أحكام الدستور المغربي الذي ينص على أن حرية الرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها، وأن الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان، وأن القانون يحمي هذا الحق".
جريدة هسبريس الالكترونية استطلعت رأي قرائها وطرحت سؤالا حول المقترح الذي تقدم به حزب "البام" والجمعية الموازية له: هل تؤيد إصدار قانون يجرم التكفير في المغرب؟
بلغ عدد المصوتين ضمن استطلاع هسبريس ما مجموعه 52782، حيث رفضت نسبة 51.58 % من المصوتين مقترح تجريم التكفير فيما أيدت نسبة 48.42 % المقترح، والملاحظ أن النتيجة وإن جنحت إلى "الكافرين" بمقترح تجريم التكفير فإنها تظل متقاربة بنسبة ضئيلة جدا، ناهيك على أنها تخفي أسئلة من قبيل: ألا يوجد التكفير لدى المرجعيات الفكرية والإيديولوجية والديانات الأخرى؟ وهل الدين الإسلامي له خصوصية أم أن الكفر ملة واحدة؟ وهل النموذج التونسي صالح للمغرب حيث اتفق الطيف السياسي والمدني على منع التكفير في الدستور؟ وما موقع حقل إمارة المؤمنين من منع التكفير؟
نظام الشريعة بات متجاوزا وعاجزا على بناء دولة حديثة
في تعليقه على نتيجة الاستطلاع، اعتبر المصطفى المريزيق، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، أن "التكفير جريمة وردة"، مضيفا في اتصال مع هسبريس أن "دعاة التكفير طامعين في نظام سياسي، و كأن البشر لا يصلحون إلا لشيء واحد: حطب الفتنة".
وعن رأيه في نسبة المصوتين التي مالت إلى رفض مقترح تجريم التكفير، قال أستاذ علم الاجتماع، إن الأرقام تعكس بأن "ارتباط المغاربة بالعلم والتكنولوجيا، لا يرتبط بالموضوع، بل بالشكل. و قد أدرك دعاة التكفير، أن زمن سفك الدماء و الجهاد في سبيل الله و قتل العدو، لا يسمح به إنسان القرن الجديد، كما تجرمه العديد من الدول التي تجاوزت نظام القبالئل والطوائف والتمييز العنصري".
وأشار المتحدث أن التصويت ب"لا"، يعكس ضعف من لازال يحلم بـ"إنشاء دولة من أجل تطبيق الشريعة"، و يؤكد أن هذا الشعار خال من كل معنى موضوعي.
أما التصويت بـ"نعم" فهو يعكس، حسب رأي المريزق، "موقف فئة صغيرة من المغاربة المتتبعين والمهتمين بمثل هذا الاستطلاع، لكنها فئة تكبر كل يوم وتنمو معانقة مشروع نهضوي بديل، وما وقع في الشقيقة تونس يؤكد ما نقول، تونس اليوم هي رمز التطور التاريخي للبلدان العربية، و كل العرب محكوم عليهم ب" الحاكمية التونسية" يورد المريزق.
واعتبر القيادي في "البام" أن "نظام الشريعة بات متجاوزا، والفقه عجز على بناء دولة حديثة ومعاصرة. والشريعة اليوم مرجع من مراجع التاريخ و الدراسة والتحليل، ومن يتوهم أن خطابه التكفيري مستنبط من الشريعة فهو زنديق وغبي ومرتزق".
التكفير في المرجعيات الفكرية والإيديولوجية الأخرى
من جهته، اعتبر بلال التليدي، القيادي في حزب العدالة والتنمية، أن كل مرجعية فكرية تمتلك نسقا داخليا منسجما تنتج مفاهيم خاصة في وصف المخالفين لها أو المرتدين عنها، فالمرجعية الماركسية، يقول التليدي في اتصال مع هسبريس، كانت إنتاجا لمثل هذه المفاهيم الوصفية التقييمية للآخر، وكانت تتميز بقدر من القسوة والشدة، بحيث لا تقتصر فقط على الوصف المعنوي الذي يجعل المخالف أو الخارج عن الدائرة الماركسية، موصوما بوصم خاص، كالتحريف أو التبرجز أو الفوضوية أو الظلامية، أو خدمة المواقع الطبقية البورجوازية أو حتى الكولونيالية، بل تعدى الأمر مجرد الوصم المعنوي، إلى الوصف بالعمالة والخيانة للثورة والطبقة البروليتاريا وللكادحين، وكذلك المرجعية الليبرالية، فقد جمعت كما مهما من الأوصاف التي لا تبتعد في حقيقتها عن التكفير، بحيث جعلت السقف الأنواري، شبيها بدائرة الإيمان في المرجعية الإسلامية، ولم تكن الظلامية والتطرف سوى المفردات القرينة للتكفير في المرجعية الإسلامية.
وأشار التليدي إلى أن لا أحد من المخالفين لهذه المرجعيات الفكرية والإيديولوجية طالب بتجريم إطلاق هذه الأوصاف، مع أنها تخرجهم من الدائرة التقدمية، أو الدائرة الأنوارية، بل كان يتم التعامل مع هذه الأوصاف باعتبارها تشكل الجانب المغلق في المرجعيات الفكرية، وذلك حين يم الانتقال من تسويغ نسق المرجعية إلى الحكم على المحالفين لها.
في ذات السياق، ذهب إدريس الكنبوري، الباحث في الشأن الديني والحركات الإسلامية، إلى كون قضية التكفير ليست خاصة بالإسلام، بل موجودة في المسيحية واليهودية وحتى في الديانات الوضعية، لأن مفهوم الإيمان من الناحية الفلسفية يقتضي مفهومه المخالف، وهو الكفر.
وأشار الكنبوري إلى أن "التكفير الموجود في اليهودية والمسيحية أخطر بكثير مما هو موجود في الإسلام، الأكثر من ذلك أن التكفير في اليهودية والمسيحية أدى عبر التاريخ إلى مجازر وحروب استمرت مئات السنين، بينما لا نجد في تاريخ الإسلام أشخاصا قتلوا بسبب دعوى التكفير بالمعنى المباشر كما هو الأمر في اليهودية والمسيحية، فقد قتل المسيحيون بعضهم بعضا فقط بسبب الاختلاف حول صفة من صفات المسيح، بينما وجدنا في تاريخ الإسلام أن الفرق اختلفت كثيرا حتى في الصفات الإلهية، لكن لم نلاحظ أن بعضها كفر بعضا، وهذه قضية مهمة جدا يجب الالتفات إليها".
وأرجع المتحدث الأمر إلى كون المسلمين كانوا يفهمون أن الاختلاف رحمة، بالرغم من بعض الانزلاقات التي حصلت مثل قضية خلق القرآن مثلا في عصر المأمون، والتي لم تكن لها علاقة بالتكفير بل بما نسميه اليوم"إيديولوجيا السلطة" التي راهنت على الاعتزال، مثلما نرى حاليا في بعض البلدان التي تختار التوجه الوهابي أو الجعفري أو الزيدي، وكان هؤلاء المسلمون يفهمون بأن الكلام في المسائل الدينية مطلوب بمبرر الحرية والاجتهاد وليس ممنوعا بمبرر التكفير، لأن التكفير عدو للاجتهاد والإبداع، والإسلام أعطى الجميع حق إبداء الرأي حتى في التوابث من الدين، ما دام ذلك في حدود النقاش العلمي، وليس مطية لغايات سياسية تقسم المجتمع.
حقل إمارة المؤمنين والمطالبة بمنع التكفير
أشار التليدي إلى أن "قضية الكفر والإيمان مرتبطة بالحقل الديني، ولا علاقة لها بالحقل السياسي، وحتى إن عمت الظاهرة بشكل كبير، ودخلت حقل السياسة من بوابة توظيف التكفير في الصراع السياسي".
وأكد المتحدث إلى أن "إمارة المؤمنين" هي المؤسسة الوحيدة المناط بها النظر في تجريم التكفير، وذلك بمقتضى الدستور، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بفتوى من العلماء، تستند إلى مبدأ المصالح المرسلة، إذا عمت الظاهرة، ورأى علماء الأمة أن هناك تماديا من عموم الأمة في استعماله حتى ولو لم توجد موجباته.
أما عن رأيه في انتصاب البرلمان لمناقشة قضية دينية والحسم فيها، اعتبر الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، الأمر "افتئاتا على اختصاص سيادي لإمارة المؤمنين، لأن الشؤون الدينية تعتبر من صميم اختصاص الملك بوصفه أميرا للمؤمنين، ومؤسسة العلماء التي تشتغل في ظل هذه المؤسسة هي وحدها المنوط بها النظر في هذه القضية".
من جهته نبّه خالد أوباعمر، الكاتب الصحفي المحسوب على اليسار، في اتصال مع هسبريس إلى أنه "لا ينبغي للفاعل السياسي أن يقفز عن هذا المجال الذي يندرج دستوريا في حقل إمارة المؤمنين حتى لا يعاد سيناريو الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية التي قسمت المجتمع إلى طائفتين واحدة تحتج في الرباط وأخرى ترد عليها في الدار البيضاء".
واعتبر المتحدث في اتصال مع هسبريس، أن مواجهة ظاهرة التكفير "تستدعي ضرورة إخضاع هذه الظاهرة للتشريح والتحليل، لفهم دوافعها، وسياقاتها، وتفاعلاتها المجتمعية، وتأثيرها على وحدة المجتمع وكيان الدولة".
وهذا يستلزم، حسب أوبا عمر، فتح نقاش في القضية على شكل مائدة حوار وطني لرصد مواقف كل الأطراف ومحاولة التقريب بينها في أفق إيجاد الآلية الدستورية أو القانونية أو السياسية للخروج بحل توافقي يرضي جميع الأطراف "الحداثيين والمحافظين" تفاديا لكل ما من شأنه توريط الدولة والمجتمع في معارك وتطاحنات لا أحد يستطيع توقع كيف ومتى ستنتهي. لاسيما، وأن نتائج استطلاع جريدة هسبريس كمؤشر لقياس درجة التفاعل المجتمعي مع الإشكالية/الظاهرة "أوضحت بأن التدافع بين المؤيدين والرافضين، تدافع كبير وغير قابل "للصرف سياسيا" عبر مبادرات انتهازية للفاعل السياسي الذي يعلم مسبقا بأن الذي سيحسم الصراع، باستحضار طبيعة هذا التدافع وقوته، هو الملك بوصفه أميرا للمؤمنين والممثل الأسمى للدولة بنص الدستور".
واستغرب الناشط السياسي موقف حزب الأصالة والمعاصرة من طرح مبادرة تشريعية لتجريم التكفير في المجتمع "مع العلم أن قادة هذا الحزب يؤكدون في أكثر من مناسبة بضرورة فصل الدين عن السياسة"، متسائلا: كيف يمكن إذن تجريم ظاهرة لها علاقة بمجال ديني يدخل في إطار حقل إمارة المؤمنين بمبادرة تشريعية "مقترح قانون" من فاعل سياسي؟ كيف يمكن لحزب سياسي سحب تأييده لمشروع قانون يتعلق بتجريم ومنع التطبيع مع الكيان الصهيوني بمبرر أن مشروع القانون له طبيعة حساسة تتعلق بمجال استراتيجي وحيوي للدولة، أن يبادر تشريعيا عبر مقترح قانون لتجريم ظاهرة ترتبط في عمقها بمجال الدين كثابت من ثوابت الدولة وكمجال حيوي واستراتيجي للمك بوصفه أمير للمؤمنين بنص الدستور؟ لماذا لم يتقدموا بمقترح قانون لتجريم الفتوى الدينية المصادرة للحريات عندما استبيح دم المرتد؟".
وخلص الباحث في العلوم السياسية إلى أن "التكفير سلوك مرفوض ومدان ولا يحق لأي أحد أن يكفر المجتمع في ظل وجود دستور وفي ظل وجود مؤسسات دستورية مختصة، والحرية كحق دستوري مكفول بموجب الدستور والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان لا يحق لأي كان مصادرتها أو المساس بها كمكون أساسي في الخيار الديمقراطي للملكة، الحل إذن يكمن في التوافق الوطني والآلية الدستورية بالنسبة لي شخصيا هي الآلية الأنجع لاحتواء هذا الإشكال ولنا في التجربة التونسية خير مثال".
القانون لا يحل المشكلة بل يزيد في تعميقها
يذهب إدريس الكنبوري، الكاتب الصحفي، إلى أن التقارب في نتيجة استطلاع هسبريس يعود إلى الطريقة التي فهم بها كل طرف السؤال المطروح في الاستطلاع، فالمعارضون لصدور القانون ربما فهموا أن صدور القانون سيفتح الباب أكثر أمام الإساءة إلى الدين، وتنامي بعض الممارسات الماسة بإسلام المغاربة، والمؤيدون ربما فهموا من السؤال أن السماح بانتشار التكفير سوف يؤدي إلى التضييق على حرية الناس في التعبير ويقود إلى الفتنة.
واعتبر الباحث أن الطرفين معا يعبران عن حساسيتين مختلفتين داخل المجتمع المغربي، ويعكسان التعددية في المواقف بشأن القضايا المتعلقة بالدين، "ومن هنا أرى أن أي محاولة لتجريم ظاهرة التكفير ـ التي هي فعلا ظاهرة خطيرة ومقلقة ـ يجب أن تأخذ في الاعتبار هذه التعددية، بمعنى: كيف نجرم التكفير الذي يعتبر في الإسلام ممارسة معادية للحرية، وفي نفس الوقت نضمن الحد الأدنى من احترام المقدسات الدينية؟".
وشدد الباحث في الشأن الديني على "أن القانون ليس الوسيلة الوحيدة لمحاربة ظاهرة التكفير، بل لا بد من مشروع ثقافي تنويري يصحح الصورة الخاطئة عن الإسلام في عقول المتشددين، وينتصر للقيم الإسلامية الحقيقية، التي تتطابق مع القيم الإنسانية الحديثة المتفق عليها بين مختلف الثقافات".
وأشار إلى أن "التمعن من الناحية الفكرية في وضعنا الثقافي والسياسي الراهن يؤدي بنا إلى النتيجة التالية، وهي أن القيم الدينية الحضارية تتعرض للتهديد من تيارين رئيسيين: تيار التشدد السلفي، وتيار التشدد الحداثي، ولا فرق بين من يستورد أفكارا من الماضي ومن يستورد أفكارا من الآخر بطريقة متصلبة ويريد فرضها على المجتمع. كلا التيارين لديه نموذج جاهز وغير مستعد للنقاش فيه، وهذه هي الخطورة".
النموذج التونسي غير مناسب للمغرب
إذا كان أوبا عمر والمريزق قد أشادا بالنموذج التونسي القاضي بتجريم التكفير، فإن الكنبوري يعتبر "ما حصل في تونس يجب أن لا يكون نموذجا للمغرب، لسبب بسيط وهو أن المغرب يتفرد بوجود مؤسسة إمارة المؤمنين التي تعتبر الجهة التي تضبط الخلاف في الآراء الدينية".
أما ما وقع في تونس، يضيف الكنوبوري، بالقول: "أنا أخشى أن يكون البلد العربي الأول الذي صنع ملحمة الربيع العربي قد انتقل من الاستبداد السياسي قبل الربيع إلى الاستبداد الديني بعده، لأن تجريم التكفير بنص القانون ليس مهمة النخبة السياسية وحدها، بل بالدرجة الأولى مهمة النخبة العلمية، لماذا؟ لأن للتكفير جذورا عميقة في البنية الفكرية والثقافية للمجتمعات الإسلامية، بسبب هيمنة القراءات المحافظة للدين وانتشار الأفكار التكفيرية التي تم إنتاجها في المشرق والجزيرة العربية، هذا جانب، والجانب الآخر أن التكفير مرتبط بمفهوم الكفر بمعناه الديني الضيق، ومبادئ الكفر موجودة في القرآن، ولا أعتقد أن هناك من يستطيع أن يجازف بإسقاط هذا المفهوم، ومن هنا صعوبة الحسم في القضية لأنها متشابكة وتخضع لأصحاب الاجتهاد والفقه الوسطي".
وخلص الباحث في حديه مع هسبريس إلى أن ظاهرة التكفير "يجب أن تخضع لنقاش فعلي بين النخبة العلمية والفكرية، من أجل إيجاد السبل العملية لتطويق هذه الظاهرة فكريا وثقافيا وتربويا، وتشجيع ثقافة الاختلاف التي غابت في مجتمعاتنا، فأصبح كل طرف يعطي لنفسه الحق في مصادرة حقوق الآخرين باسم الدين، وكأنه الوصي عليه".



0 التعليقات:
إرسال تعليق