فرّ على الدوام من عدسات الكاميرا واستجوابات الصحافيين، لدرجة أن اسمه نادرا ما تواجد في صحيفة مغربية حتى وهو من بين المؤسسين للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، النقابة الوطنية للتعليم. الرجل الذي رافق مجموعة من كبار الشخصيات المغربية، وكان بمثابة علبة أسرار الراحلين الفقيه البصري ومحمد عابد الجابري، قبِل أخيرا أن يدلي بشهادته على عدة أحداث مهمة عايشها وكان شاهدا عليها، كي يساهم في إنارة بعض الدروب المظلمة من التاريخ المغربي الحديث، وبالضبط تلك الفترة الحرجة التي استمرت من سنوات الاستقلال إلى تجربة التناوب التوافقي.
عبد القادر الحضري، الأستاذ الجامعي المتقاعد، الذي قرر أخيرا الانزواء في منزله بالحي الحسني الدار البيضاء عوض أن يبقى فاعلا في حزبٍ كثُرت ضده الانتقادات، يتحدث في هذا الحوار الحصري الذي تنشره هسبريس على حلقات، عن الأسباب الذي جعلت الحسن الثاني يسقط حكومة عبد الله إبراهيم، وكيف "خان" الاتحاد المغربي للشغل ثقة المنضوين تحته، عارجا على الخلافات الكبيرة التي وقعت بين قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم على اغتيال المهدي بنبركة، فظروف تشكيل الاتحاد الاشتراكي، وعدة أحداث مهمة أخرى في إطار ما يُعرف بسنوات الرصاص.
(الجزء العاشر)
كيف أتى رد الاتحاديين على ما قلت إنه تزوير للنتائج وصعود غير شرعي للمرشحين الأحرار؟
لقد كان للتزوير الذي عرفته هذه الانتخابات الجماعية تأثير بالغ ، وخلف سخطاً كبيراً في جميع الأوساط؛ ولم يخفف منها اقتراح بوعبيد للمكتب السياسي بالاحتكام لدى الملك، فكان لا بد من طرح ما وراء هذا التزوير. وذلك ما فعله بوعبيد في اللجنة الإدارية المنعقدة في 7 فبراير بعد أن كان قد أكد في اجتماع اللجنة المركزية المنعقد في 30 نوفمبر 1976 أن الاختيار الديموقراطي أصبح اختيارا شعبياً والتزاماً وطنياً ودولياً لا يقبل التراجع، وقد تساءل بوعبيد حينئذ:" ما هو القرار الذي يجب اتخاذه إزاء الوضعية التي فضحنا بعض جوانبها ؟ الجواب : إما نفض اليد من هذه التجربة استناداً على المعطيات التي شرحناها وإما انقاذ التجربة بتصحيح الأخطاء والخروقات السابقة وتوفير ضمانات أقوى بالنسبة للمراحل المتبقية".
وقبل اجتماع اللجنة المركزية للحزب في العشرين من فبراير 1977 للإجابة عن هذا السؤال، كان هناك اتصال من الدولة يفيد على وجود عزم لتفادي ما وقع وبأنها ستقوم بحماية الانتخابات النيابية عبر تعيين بوعبيد وزيراً للدولة بدون حقيبة مع رؤساء أحزاب أخرى وذلك لأجل مراقبة سير الانتخابات. لذلك كان النقاش حاداً داخل اللجنة المركزية، خاصة وأن خيبة الأمل من التزوير كانت واضحة في أرجاء البيت الاتحادي، غير أن بوعبيد اقترح على اللجنة اللجنة المركزية أن تتصرف بحذر، وبأن تؤجل البث في المشاركة أو عدمها وتمنح المكتب السياسي حرية التصرف.
إذن فبوعبيد قبل أن يكون وزيراً في حكومة يترأسها أحمد عصمان؟
نعم، فقد تم تعيينه بدون حقيبة في حكومة يرأسها عصمان، مع كل من بوستة، الخطيب، أحرضان يوم 2 مارس 1077 أي بعد خمسة أيام من اجتماع اللجنة المركزية، وقد أدلى بوعبيد بعد ثلاثة أيام بتصريح لجريدة "المحرر" أكد فيه أن المشاركة في الحكومة هي امتداد للمشاركة في المجلس الوطني لمراقبة الانتخابات، وهي مشاركة محدودة في الزمن بهدف توفير شروط النزاهة والمساهمة في تحقيق انفراج سياسي والضغط لإطلاق كافة المعتقلين السياسيين.
وقد اختار بوعبيد أن يتشرح في أكادير بخصوص الانتخابات النيابية بعد أن صَعُبَ عليه إقناع ممثليها بالمشاركة، غير أن ذلك الترشيح أثار حفيظة السلطة العليا مطالبة إيّاه بتغيير جهة الترشيح وهو ما لم يرقْ لبوعبيد معتبراً أن الترشح أمر داخلي للحزب وخط أحمر؛ فتوترت العلاقة وتأزمت الأوضاع بين الحزب والملك.
إذن فقد عادت الأمور للأزمة نفسها بسبب هذا الترشح؟
نعم، فقد أصرّ بوعبيد على أن قضية الترشيح شأن حزبي داخلي، لذلك تحركت آلة القمع في جميه أنحاء أكادير، وجرت الانتخابات في جو من الرعب والترهيب والتدخل المباشر من طرف السلطة المحلية، لتأتي النتيجة المعروفة سلفا هي: إعلان سقوط بوعبيد، وكان واضحاً أن السقوط لم يكن إلا في لوائح التزوير الذي طال البلاد طولا وعرضا.
واعتماداً على ذلك، اعْتُبِر المشروع المتفق عليه في الاجتماع بين الملك وبوعبيد مُجْهضاَ وجاء الرد بالنسبة للحزب في المؤتمر الثالث حيث أعلن عن البديل : الدولة الوطنية والديموقراطية؛ وفي إنجاز المشروع الحلم بتأسيس المركزية النقابية : الكونفدرالية الديموقراطية للشغل.
هل استقال بوعبيد من تلك الحكومة؟
لم يستقل فقط من الحكومة، بل رفض حتى تسلم أجرته كوزير، وقد رفضت الحكومة استقالته إلا أنه اعتبر أن مهمته انتهت بانتهاء الانتخابات، ولم يعد عن موقفه رغم المحاولات المبذولة من السلطات العليا للتخفيف من حدة التوتر. وتجب الإشارة هنا أنه رفض تسلم 120 مليون سنتيم حملها إليه البصري وزير الداخلية، ورفض اقتراح الاتفاق على المقاعد التي سيحصل عليها الاتحاد الاشتراكي.
فرّ على الدوام من عدسات الكاميرا واستجوابات الصحافيين، لدرجة أن اسمه نادرا ما تواجد في صحيفة مغربية حتى وهو من بين المؤسسين للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، النقابة الوطنية للتعليم. الرجل الذي رافق مجموعة من كبار الشخصيات المغربية، وكان بمثابة علبة أسرار الراحلين الفقيه البصري ومحمد عابد الجابري، قبِل أخيرا أن يدلي بشهادته على عدة أحداث مهمة عايشها وكان شاهدا عليها، كي يساهم في إنارة بعض الدروب المظلمة من التاريخ المغربي الحديث، وبالضبط تلك الفترة الحرجة التي استمرت من سنوات الاستقلال إلى تجربة التناوب التوافقي.
عبد القادر الحضري، الأستاذ الجامعي المتقاعد، الذي قرر أخيرا الانزواء في منزله بالحي الحسني الدار البيضاء عوض أن يبقى فاعلا في حزبٍ كثُرت ضده الانتقادات، يتحدث في هذا الحوار الحصري الذي تنشره هسبريس على حلقات، عن الأسباب الذي جعلت الحسن الثاني يسقط حكومة عبد الله إبراهيم، وكيف "خان" الاتحاد المغربي للشغل ثقة المنضوين تحته، عارجا على الخلافات الكبيرة التي وقعت بين قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ثم على اغتيال المهدي بنبركة، فظروف تشكيل الاتحاد الاشتراكي، وعدة أحداث مهمة أخرى في إطار ما يُعرف بسنوات الرصاص.
(الجزء العاشر)
كيف أتى رد الاتحاديين على ما قلت إنه تزوير للنتائج وصعود غير شرعي للمرشحين الأحرار؟
لقد كان للتزوير الذي عرفته هذه الانتخابات الجماعية تأثير بالغ ، وخلف سخطاً كبيراً في جميع الأوساط؛ ولم يخفف منها اقتراح بوعبيد للمكتب السياسي بالاحتكام لدى الملك، فكان لا بد من طرح ما وراء هذا التزوير. وذلك ما فعله بوعبيد في اللجنة الإدارية المنعقدة في 7 فبراير بعد أن كان قد أكد في اجتماع اللجنة المركزية المنعقد في 30 نوفمبر 1976 أن الاختيار الديموقراطي أصبح اختيارا شعبياً والتزاماً وطنياً ودولياً لا يقبل التراجع، وقد تساءل بوعبيد حينئذ:" ما هو القرار الذي يجب اتخاذه إزاء الوضعية التي فضحنا بعض جوانبها ؟ الجواب : إما نفض اليد من هذه التجربة استناداً على المعطيات التي شرحناها وإما انقاذ التجربة بتصحيح الأخطاء والخروقات السابقة وتوفير ضمانات أقوى بالنسبة للمراحل المتبقية".
وقبل اجتماع اللجنة المركزية للحزب في العشرين من فبراير 1977 للإجابة عن هذا السؤال، كان هناك اتصال من الدولة يفيد على وجود عزم لتفادي ما وقع وبأنها ستقوم بحماية الانتخابات النيابية عبر تعيين بوعبيد وزيراً للدولة بدون حقيبة مع رؤساء أحزاب أخرى وذلك لأجل مراقبة سير الانتخابات. لذلك كان النقاش حاداً داخل اللجنة المركزية، خاصة وأن خيبة الأمل من التزوير كانت واضحة في أرجاء البيت الاتحادي، غير أن بوعبيد اقترح على اللجنة اللجنة المركزية أن تتصرف بحذر، وبأن تؤجل البث في المشاركة أو عدمها وتمنح المكتب السياسي حرية التصرف.
إذن فبوعبيد قبل أن يكون وزيراً في حكومة يترأسها أحمد عصمان؟
نعم، فقد تم تعيينه بدون حقيبة في حكومة يرأسها عصمان، مع كل من بوستة، الخطيب، أحرضان يوم 2 مارس 1077 أي بعد خمسة أيام من اجتماع اللجنة المركزية، وقد أدلى بوعبيد بعد ثلاثة أيام بتصريح لجريدة "المحرر" أكد فيه أن المشاركة في الحكومة هي امتداد للمشاركة في المجلس الوطني لمراقبة الانتخابات، وهي مشاركة محدودة في الزمن بهدف توفير شروط النزاهة والمساهمة في تحقيق انفراج سياسي والضغط لإطلاق كافة المعتقلين السياسيين.
وقد اختار بوعبيد أن يتشرح في أكادير بخصوص الانتخابات النيابية بعد أن صَعُبَ عليه إقناع ممثليها بالمشاركة، غير أن ذلك الترشيح أثار حفيظة السلطة العليا مطالبة إيّاه بتغيير جهة الترشيح وهو ما لم يرقْ لبوعبيد معتبراً أن الترشح أمر داخلي للحزب وخط أحمر؛ فتوترت العلاقة وتأزمت الأوضاع بين الحزب والملك.
إذن فقد عادت الأمور للأزمة نفسها بسبب هذا الترشح؟
نعم، فقد أصرّ بوعبيد على أن قضية الترشيح شأن حزبي داخلي، لذلك تحركت آلة القمع في جميه أنحاء أكادير، وجرت الانتخابات في جو من الرعب والترهيب والتدخل المباشر من طرف السلطة المحلية، لتأتي النتيجة المعروفة سلفا هي: إعلان سقوط بوعبيد، وكان واضحاً أن السقوط لم يكن إلا في لوائح التزوير الذي طال البلاد طولا وعرضا.
واعتماداً على ذلك، اعْتُبِر المشروع المتفق عليه في الاجتماع بين الملك وبوعبيد مُجْهضاَ وجاء الرد بالنسبة للحزب في المؤتمر الثالث حيث أعلن عن البديل : الدولة الوطنية والديموقراطية؛ وفي إنجاز المشروع الحلم بتأسيس المركزية النقابية : الكونفدرالية الديموقراطية للشغل.
هل استقال بوعبيد من تلك الحكومة؟
لم يستقل فقط من الحكومة، بل رفض حتى تسلم أجرته كوزير، وقد رفضت الحكومة استقالته إلا أنه اعتبر أن مهمته انتهت بانتهاء الانتخابات، ولم يعد عن موقفه رغم المحاولات المبذولة من السلطات العليا للتخفيف من حدة التوتر. وتجب الإشارة هنا أنه رفض تسلم 120 مليون سنتيم حملها إليه البصري وزير الداخلية، ورفض اقتراح الاتفاق على المقاعد التي سيحصل عليها الاتحاد الاشتراكي.



0 التعليقات:
إرسال تعليق